أوروبا وعقوبات إيران

أوشكت إيران أن تنفّذ في الأسابيع الماضية بعضاً من تهديداتها ضد أوروبا لكنها تلقت درساً قاسياً بأن أجهزتها الناشطة في بلدان غربي القارة باتت مكشوفة.

 

محاولتان للاعتداء على معارضين إيرانيين أحبطتا، الأولى في فرنسا ضد مؤتمر لـ«مجاهدي خلق» والثانية في الدانمارك ضد نشطاء أهوازيين.

وفيما تعتقد السلطات الأمنية في عواصم أوروبية عدة أن طهران لن تُوقف محاولاتها، لم تجد باريس ضرورة للذهاب أبعد من طرد أحد الدبلوماسيين الإيرانيين، كما أنها لم تحرص على تركيز إعلامي خاص على الواقعة التي اكتشفتها.

 

أما كوبنهاغن فدعت دول الاتحاد الأوروبي إلى أن تدعم طلبها فرض عقوبات اقتصادية على إيران. مزيد من العقوبات في موسم العقوبات الأميركية، ومن جانب أوروبا؟

لا بدّ أن الغضب الإيراني من المعارضين يستحق المجازفة بعلاقات مع بلدان «صديقة» وتحدّي أمنها، أو أن في الأمر سوء تقدير مثيراً للاستغراب.

 

في الحالين الفرنسية والدانماركية كان هناك تأكيد متوقّع للفصل بين التمسّك بالاتفاق النووي ومحاولات إنقاذه وبين إحباط اعتداءين إرهابيين، ولعل إحباطهما واستهدافهما إيرانيين أصلاً ساهما في عدم تسخين المواقف.

الأوروبيون معنيّون، كما تشرح «إيكونوميست»، بالحفاظ على الاتفاق لأنه يوقف البرنامج النووي ويؤخّر الحصول على سلاح نووي، وإذا سقط قد تستأنف إيران تخصيب اليورانيوم في أمكنة سرّية لا يستطيع المفتشون بلوغها، وقد يتوصّلون الى صنع قنبلة.

 

وهذه حال لا يريدون تصوّرها بل يتخوّفون من أنها تفتح المشكلة على الاحتمالات الأسوأ، وأبرزها النزاع المسلّح. يرحّب الأوروبيون بدعوة دونالد ترامب إيران الى التفاوض، لكنهم يعتبرون مطالبته باتفاق جديد وبالأخص فرضه عقوبات وتشديدها غير واقعيين وغير قابلين لدفع إيران إلى قبول التفاوض.

ثمة رهان أميركي على تأثير العقوبات وأوجاعها لجلب الإيرانيين إلى الطاولة، غير أن الأوروبيين يكثّفون جهودهم لإقامة «منشأة ذات غرض خاص» بهدف تخفيف وطأة العقوبات على إيران.

 

قبل أكثر من عام على الانسحاب الأميركي من الاتفاق النووي كان الأوروبيون يرفضون هذه الخطوة، ومنذ حصولها حتى الآن لم يبدّلوا موقفهم رغم أن خلافهم مع أميركا قد يكون مكلفاً. في المقابل اعتقد الإيرانيون أن الضغط على أوروبا قد يدفع الرئيس الأميركي إلى التراجع، أو أنهم يمكن أن يلعبوا على التناقضات بين الطرفين الغربيين.

المفارقة أن طهران ذهبت في الضغط إلى حدّ التهديد، إذ لوّح قائد «الحرس الثوري» محمد علي الجعفري ونائبه حسين سلامي (منذ نوفمبر 2017) بإمكان زيادة مدى الصواريخ الإيرانية إلى أكثر من ألفَي كيلومتر، وكانا يعنيان تحديداً استهداف أوروبا «إذا شكّلت تهديداً لإيران».

 

وبعد أيام من الانسحاب الأميركي استخدم رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيراني علي أكبر صالحي لغة التهديد أيضاً (19 مايو 2018) حيال أوروبا «إذا لم تلتزم تعهّداتها في الاتفاق النووي».

وبدوره هدّد وزير الخارجية محمد جواد ظريف (سبتمبر 2018) بأن إيران قد تقلّص تطبيقها للاتفاق وتزيد تخصيب اليورانيوم ما لم «تعوّض أوروبا ما يترتّب من آثار جرّاء العقوبات الأميركية»، ومما قاله إن على أوروبا أن تكون «مستعدة للدفع من أجل أمنها»!..

 

وكان المرشد علي خامنئي (مايو 2018) وضع قائمة شروط لالتزام الأوروبيين الاتفاق أو يعتبره لاغياً.

هذه مجرّد عيّنة مختزلة من التهديدات لم ترهب الأوروبيين لكن ظلّ مستغرباً أن لا يرفضوها أو يردّوا عليها، بل اتسم تعاملهم مع إيران بمحاولة تهدئتها وطمأنتها، لكن من دون جدوى.

 

ربما تستطيع طهران استئناف برنامجها النووي، لكن ليس الآن، ويلزمها وقت لاستعادة زخمه السابق، لكنها تستخدم هذه الورقة للابتزاز.

وفيما تحاول أوروبا أولاً الحفاظ على مصالحها الاقتصادية فإنها جازفت بإظهار نوع من الرضوخ للابتزاز، ما عزّز اقتناع طهران بأنها باتت تستخدم أوروبا في مواجهة مع أميركا.

 

ولعلها نجحت جزئياً في ذلك عندما رسّخت فكرة إلزام أوروبا بـ«تعويض» خسائرها من العقوبات، مسترشدةً بذلك تعويض إدارة أوباما لإسرائيل عن تضرّرها من الاتفاق النووي.

غير أن هذه اللعبة ستنكشف قريباً.

 

أولاً، لأن أي إجراءات أوروبية ستبقى محدودة وشكلية ولن تشكّل «تعويضاً» مجزياً.

وثانياً، لأن إيران لم ترفق تهديداتها بأي طرح جدّي يساعد الأوروبيين على محاججة أميركا بأن لدى إيران خططاً لتغيير سلوكها.

 

وثالثاً، لأن الحفاظ على الاتفاق النووي «ليس صكاً على بياض للتستر على نمط الأنشطة التي شهدناها»، كما قال رئيس الوزراء الدانماركي في سياق دعوته إلى معاقبة إيران بعد الكشف الاستباقي لاعتداء دبّرته أجهزة طهران ضد معارضين إيرانيين.

رابط الموضوع: http://emasc.org/news/view/13184