"نيويورك تايمز" تكشف تفاصيل نفوذ محمد بن زايد داخل أميركا وهيمنته على ولي عهد السعودية

ناقشت صحيفة نيويورك تايمز الأمريكية سياسات ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد  في المنطقة، من مصر إلى سورية فاليمن وليبيا والسعودية، ومنها إلى القرن الأفريقي،  مشيرة إلى فشل هذه السياسات وقيامها على أساس العداء لإيران وجماعة الإخوان المسلمين.

 

وبحسب الصحيفة يعيش المسؤولون في أبوظبي وهماً بفائض القوة، بعدما ساعد في إحباط الانتقال الديمقراطي في مصر، ولم يمنع الحظر الأممي على توريد الأسلحة الإماراتية إلى ليبيا من دعم مليشيات خليفة حفتر، فيما يتجاهل تحمله جزءاً من المسؤولية عن الحرب في اليمن والأزمة الإنسانية الكارثية فيه.

 

ولم يكن ذلك ليتحقق لولا أن استثمر بن زايد في العلاقات التي نسجها داخل الولايات المتحدة على مدى سنوات طويلة مع مسؤولين في الإدارات الأميركية المتعاقبة ومع اللوبيات الأكثر نفوذاً، فضلاً عن تقاربه مع إسرائيل والحديث عنها دائماً أمام الأميركيين بوصفها "حليفاً"، بما مكنه من توظيف وصول دونالد ترامب إلى البيت الأبيض، ليصبح صاحب نفوذ قوي داخل إدارته حتى بدا أن الأخير يتبعه. 

 


واعتبرت صحيفة "نيويورك تايمز"، في تقرير مطول نشرته الأحد، أن أقوى حاكم في المنطقة ليس ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، بل هو ولي عهد أبوظبي محمد بن زايد، مشيرة إلى أنه أصبح يملك جدول أعمال خاصاً به، ويبدو أن ترامب بدأ يتبعه، مشيرة إلى أن هذا الأمر تبدى في أن الرئيس الأميركي "وافق" على مطالب ولي عهد أبوظبي، عبر إطاحة الاتفاق النووي مع إيران، ويفكر بتصنيف "الإخوان" جماعة "إرهابية". 

 

ويسرد المقال المطول تفاصيل عدة حول كيفية بناء بن زايد لنفوذه داخل الولايات المتحدة، وكيف أنه بعد أن كان على مدى عقود يسير خلف القيادة الأميركية ويتبع ما تمليه عليه، أصبح ينفذ حالياً ما يريده هو ولا ينتظر ضوءاً أخضر من أحد، فيما تنقل الصحيفة عن المسؤول السابق في وكالة الاستخبارات الأميركية بروس ريديل قوله إن بن زايد "يعتقد أنه مكيافيلي لكنه يتصرف مثل موسوليني في الحقيقة".
 

وتوقفت الصحيفة عند زيارته الأولى إلى الولايات المتحدة، عندما كان قائداً لسلاح الجو الإماراتي ويبلغ 29 عاماً، والتي جاءت بعد حرب الخليج في عام 1991 لشراء أسلحة متطورة لبلاده، وهو ما أثار قلق أعضاء في الكونغرس الأميركي، من أن تؤدي عملية الموافقة على هذا الأمر إلى زعزعة استقرار المنطقة، لكن البنتاغون، الذي كان يحاول الحصول على حلفاء في الخليج، وصف، وقتها، محمد بن زايد بأنه شريك واعد.

 

وعلى مدى سنوات طوّر بن زايد علاقته مع المسؤولين الأميركيين، حتى إنه، وبحسب ما نقلت صحيفة "نيويورك تايمز" عن مسؤولون في البيت الأبيض، فإن علاقته بالرئيس الأميركي السابق باراك أوباما كانت جيدة لا بل وصِفا بأنهما "مقربان جداً"، لكن الربيع العربي، الذي أدى إلى فوز جماعة الإخوان المسلمين بالسلطة، فرّق بينهما. وأوضح المسؤولون للصحيفة أن ما زاد التباعد بينهما هو رفض أوباما القيام بعمل عسكري ضد النظام السوري، بالإضافة إلى اكتشاف محمد بن زايد أن الإدارة الأميركية تفاوض إيران نووياً. 
 

وقال بن رودس، نائب مستشار الأمن القومي في عهد الرئيس السابق باراك أوباما، إن تعاطف أوباما مع الربيع العربي ومفاوضاته مع إيران فتحا الباب أمام محمد بن زايد لانتقاده. وإزاء هذا التحول في العلاقة بين الرجلين، كشفت الصحيفة، في تقريرها، عن بدايات محاولات محمد بن زايد لاختراق الدائرة الضيقة حول ترامب، حيث استطاع، قبل الانتخابات الرئاسية في عام 2016، تأمين لقاء مع صهر الرئيس جاريد كوشنر.

 

وأشارت إلى أنه في ديسمبر/ كانون الأول 2016 (قبل تسلم ترامب الرئاسة) طلب ولي عهد أبوظبي لقاء أخيراً بأوباما ووافق الأخير على غداء عمل وداعي، لكن فجأة تراجع بن زايد من دون أي تفسيرات ليتبين أنه سافر سراً إلى نيويورك بدلاً من واشنطن بعد أن تم ترتيب اجتماع له مع جاريد كوشنر ومستشارين آخرين لترامب.



وقد طلب محمد بن زايد من ريتشارد غارسون، الذي عمل مع ولي عهد أبوظبي لسنوات، وهو صديق لكوشنر، إتمام الاجتماع. ومن هنا انطلقت محاولات محمد بن زايد لتغيير السياسة الأميركية في المنطقة، إذ إنه تحدث إلى مستشاري ترامب عن خطر إيران ومحادثات السلام مع الفلسطينيين بحسب مسؤولين اثنين مطلعين على الموضوع.

 

كما أنه حاول إظهار نفسه على أنه وسيط مع روسيا، وذلك في إطار محاولاته لإبعاد موسكو عن طهران، بحسب دبلوماسيين أميركيين. وهو ما ظهر في تقرير المحقق الخاص بتدخل روسيا في الانتخابات روبرت مولر، إذ إن أسماء خمسة أشخاص يعملون لمصلحة ولي عهد أبوظبي موجودة في التقرير. كما أن ولي عهد أبوظبي، والذي كان يزور الولايات المتحدة بانتظام، لم يدخلها في آخر عامين، وأحد أسباب ذلك تخوفه من احتمال سعي محققي مولر لمساءلته هو أو مساعدوه، وفق ما أكد شخصان مطلعان على طريقة تفكيره.
 

 

على الرغم من ذلك، يبدو أن نفوذ ولي عهد أبوظبي داخل إدارة ترامب أقوى من أي وقت مضى، إذ إن الرئيس الأميركي تبنى آراءه بشأن قطر وليبيا والسعودية، في تعارض مع نصائح مستشاريه في مجلس الأمن القومي ووزراء في حكومته. حتى إن الصحيفة أشارت إلى أن مقترحات بن زايد للسلام الفلسطيني الإسرائيلي والتي تغاضت عنها إدارة أوباما تشكل حالياً صلب المقاربة التي يدافع عنها كوشنر، في إشارة إلى خطة الإملاءات الأميركية لتصفية القضية الفلسطينية. ويقول دبلوماسيون غربيون يعرفون محمد بن زايد إنه مهووس بعدوين، إيران وجماعة الإخوان المسلمين، وهو ما أدى إلى توجه ترامب ضد هذين الطرفين. 



ويعتبر منتقدو محمد بن زايد أن سياساته زادت من اشتعال الأوضاع في المنطقة. وقالت المسؤولة السابقة في وزارة الخارجية الأميركية والباحثة في معهد "بروكينغز" تامارا كوفمان وايتس إنه بتسليح أميركا للإمارات "خلقنا فرانكنشتاين صغيراً". وفي إطار محاولاته لزيادة نفوذه داخل الإدارة الأميركية، فإن محمد بن زايد يتقرب من المسؤولين الصغار، إذ إنه يستقبلهم دائماً. وأشارت "نيويورك تايمز" إلى أن محمد بن زايد كان دائماً ما يبلغ المسؤولين الأميركيين أنه يرى إسرائيل حليفاً ضد إيران وجماعة الإخوان المسلمين. وبسبب ثقتها به، فقد باعت إسرائيل للإمارات معدات متطورة لتحسين فعالية طائرات "أف 16"، وأجهزة تجسس متطورة على الهواتف. وقد أصبح محمد بن زايد، بنظر مسؤولين في واشنطن، أفضل صديق لأميركا في المنطقة، ويمكن الاعتماد عليه لمواجهة النفوذ الإيراني. 



وعمل محمد بن زايد بعد ذلك على زيادة نفوذه لدى الإدارة الأميركية، بالإضافة إلى أنه بدأ التفكير في كيفية التدخل في الدول الأخرى، عبر اتفاقه مع شركة على علاقة بمؤسس شركة "بلاك ووتر" أريك برينس، من أجل خلق قوة من المرتزقة من كولومبيا وجنوب أفريقيا وغيرهما، كما أنه قمع كل المعارضين له، واعتقل العشرات من المتعاطفين مع "الإخوان".

 

كما أصبحت الإمارات، في إطار محاولاتها لزيادة نفوذه داخل الإدارة الأميركية، واحدة من أكثر الدول التي تدفع للمستشارين، مع 21 مليون دولار في عام 2017، بالإضافة إلى ملايين الدولارات التي تدفع لمراكز الأبحاث. 
 

وقالت السفيرة الأميركية السابقة لدى الإمارات مارسيل وهبة إن محمد بن زايد كان يهدف في السابق للحصول على "ضوء أخضر" أميركي، أما "الآن فإنه لم يعد يسأل عن هذا الأمر".

 

وفي توضيح لذلك، تشير الصحيفة إلى أن ولي عهد أبوظبي دعم الانقلاب العسكري في مصر في عام 2013، والذي أدى إلى إطاحة الرئيس المنتخب محمد مرسي. كذلك أرسل قوة إماراتية إلى القرن الأفريقي من أجل مواجهة قراصنة السفن في البداية، ومن ثم المتشددين بعد ذلك. كما حاول بناء مرافئ وقواعد عسكرية بحرية حول خليج عدن. وفي ليبيا واصل تسليح مليشيات اللواء خليفة حفتر، بالإضافة إلى أن الطيارين الإماراتيين شنوا غارات على العاصمة طرابلس.

 

وتحدثت الصحيفة عن كيفية تدخل محمد بن زايد في واشنطن من أجل دعم محمد بن سلمان للوصول إلى ولاية العهد، موضحة أنهما شنا معاً في عام 2015 الحرب على اليمن من أجل مواجهة الحوثيين، الذين يعتبران أنهم مناصرون لإيران. وفي 2017 قطعا العلاقات مع قطر من أجل الضغط عليها لوقف دعمها لجماعة الإخوان المسلمين. 

 

ونقلت عن دبلوماسيين ومصادر مطلعة، بينها من هي مقربة من بن زايد، أنه "يشعر بالحرج من السعودية بعد خلاصة لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية".

وهذه الخلاصة أكدت أن بن سلمان هو من أمر بقتل الصحفي السعودي جمال خاشقجي، و"حوّل تدخل أبوظبي والرياض في اليمن إلى مستنقع"، بحسب تعبير الصحيفة.

 

وأشاتر التقرير إلى وأنه على الرغم من التدخل الكبير لمحمد بن زايد في دول الربيع العربي، فإنه فشل في جعلها مستقرة.

 

وتطرقت الصحيفة إلى أدواره السلبية في المنطقة، مشيرة إلى أنه عمل على منع أي انتقال ديمقراطي في مصر، وساعد على وصول مستبدين إلى السلطة في مصر والسعودية. وناقض، في بعض الأوقات، السياسة الأميركية، وعمل على زعزعة استقرار جيرانه. لكنها أشارت إلى أنه فشل عملية حصار قطر في تغيير سياستها. وفي ليبيا، لا يزال حفتر يدور في حلقة دموية.

 

وفي الصومال تم نقل القوات الإماراتية من مقديشو إلى صومال لاند وبونتلاند. وقامت جيبوتي العام الماضي باستبدال شركة إماراتية لإدارة الموانئ بأخرى صينية. وذكرت كيف تنتقد جماعات حقوق الإنسان سجن المعارضين في بلاده، ودوره في خلق أزمة إنسانية في اليمن، ودعمه ولي العهد السعودي محمد بن سلمان، الذي قتل أتباعه الكاتب والصحافي جمال خاشقجي. وأشارت الصحيفة إلى أن بن زايد أصيب بحرج جراء استنتاج الاستخبارات الأميركية أن بن سلمان قتل خاشقجي.

رابط الموضوع: http://emasc.org/news/view/14939